انت الذي في خاطري – صحيفة السوداني

لطالما أبرم الوجد موعداً في مهجة الاشواق اللاهبة وابحر الحنين في مراسي الفؤاد. وثمة أنين كصوت الناي ينشد ذكرىَ تلكم الأيام الخوالي.. عندما كان الوطن غنوة وأهزوجة فرح”. وكانت الونسة عند “ضل الضحوية” هي ما تمنح للحياة طعماً وللضحك ضجيجاً ماتعاً بالجمال والمحبة.
نحن في هذي الأيام تحت صهوة فواجع الحرب ولياليها الطويلة الدامية. تطاردنا سيرة الموت والفراق. تحاصرنا المحن. تفزعنا هواجس استطالة مدى النزوح والبُعد عن الديار. نتوجس خيفةً أن تكون فضائل الحياة البسيطة من لدن اجتماع الاَأهل والأصدقاء في منازل نألفها وتألفنا ضرباً من الأحلام بعدما كانت مشهداً يومياً فصارت املاً يرتجى وشجرة لم تثمر في انتظار الخريف..
النحل يعسل ما بين باسقات الأغصان، والفراشة رحيقها من ندى الأزهار. فكانت المروج هي الوطن والزهور في مقام العشق الأبدي. وهكذا كل كائن أينما كان وفي كل زمان له محراب ووطن في عاليات الجبال أو في عمق البحار الزُرق.. العصافير يطربها العُش وتاأمن فيه على فراخها. والأسود تأنس عرينها وتستأسد عند وكرها. وهكذا زرع الخالق الرزاق محبة الأوطان في روح كل ما ينبض بالحياة.. وكان قدرنا عشق السودان.. الوطن والأرض التي نبتت على سفحها بذرة ميلاد أحلامنا واعشوشبت فيها براءة الطفولة، واخضوضرت عليها حكاوي الأسلاف الطروب.
تدور سبحة الأيام ويطل رمضان من جديد فتشرق ذكريات الأسرة وينبسط “برش” المودة والمحبة والآلفة.. نحن أمة تسير في ركاب الوصال والوجد. نعشق الاهل والعشيرة والصحاب والجيران و “اللمة”.. تلكم حياتنا ومباهج دنيانا. وكذلك نهوى بلادنا سهلاً ووادياً.. غابة وصحراءً وجبلا وبحرا.. توبا وجلابية ومركوبا.. عصيدة وقراصة وكسرة.. وطار مديح وغناوي صادحة بالأشواق واللوعة.. خفاف عند الفزع، سراجَين خيول المحبة🌹. تشدونا الذكريات وتؤرق قلوبنا من فيض المكان والزمان. “انت الذي في خاطري انت كل مفاخري.. وطني”.
عندما تهبط الشمس إلى مهدها ويرتفع صوت الأذان ويبلغ التمر موضعه ما بين الأصابع، ننشد ذكرى الآباء الراحلين والاحباب الذين سبقونا إلى الضفة الأخرى قاطفين بضعاً من رياحين وزهور حياتنا..
الشوارع في شهر الخير كانت عامرة بالخير والجود. منسوجة بالبساطة ومزدانة بالمحبة ويقين الإيمان وبقلوب مشرعة بالجمال وأياد ممتدة لخدمة الضيف وعابر السبيل.. أنعم به من وطن وأكرم بها من ديار وارحب به من إنسان.. لكم المجد في مفازة الروح. وكان النيل ضفتين والمحبة التماع الموج عند الأصيل..
بقول غنوات.. بقول غنوات
فى البلد البسير جنياتها لقدام..
وفى الولد البسل ضرعاتو فى العرضة ويطير فى الدارة صقرية..
ولو السمحة تلت إيد ومدت جيد تقوم شايلاه هاشمية
يشيل شبال ختة ريد.. وفرحة عيد.. وغيمة روح.. وحمرة عين وإيدية.
الشاعر القدال من قصيدة حليوة
Source link